محمد بن جعفر الكتاني
263
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
" التسهيل " ، ومن شرح الرضي على " كافية " ابن الحاجب وغيرها من كتب العربية ، ويحفظ كثيرا من الأدب ، والحكم واللغة وأيام العرب ، ماهرا في جميع ذلك ، مقبلا على التدريس . وله فيه لسان فصيح وتبليغ بليغ ، مجلسه مجلس هيبة ووقار ، لا يستطيع أحد أن يجلس فيه إلا مشمرا عن ساعد الجد ، وله فيه مكانة وعلو وجلالة ، لا يسع أحدا الجلوس في مجلسه إلا مطرقا مستمعا ، مصغيا مستجمعا . وكان حافظا للشروط والأحكام ، عارفا بالتعليلات ، ماهرا في ذلك كله ، منصفا حسن الطوية ، واسع الخلق ، كريم النفس ، طيب اللقاء ، جميل الإلقاء ، حسن البهجة ، واضح المحجة ، قوي الورع واليقين ، متين الدين ، دءوبا على الذكر لا يفتر عنه مهما انفرد عن التدريس والطلبة ، له المحبة الكبيرة في آل البيت ، عظيم المودة لهم ، يؤثرهم بنفسه وماله . أخذ - رحمه اللّه - عن الشيخ المسناوي وأبي العباس الوجّاري ، وأبي العباس أحمد الشدّادي الأكبر . . . وغيرهم ممن هو في طبقتهم . وكان من خلقه : أنه يرافق تلامذته في الجلوس في درس من هو دونه في العلم تواضعا وحرصا . وأخذ عنه جماعة من الأعيان [ 235 ] ؛ كسيدي عبد المجيد المنالي ، وأبي عبد اللّه سيدي محمد بن الطيب القادري صاحب " النشر " ، والشيخ سيدي التاودي ابن سودة المري . . . وغيرهم ممن يكثر . وكان - رحمه اللّه - يقول : « هذه مدة من اثنين وأربعين عاما وأنا في قراءة العربية ؛ ووددت لو اقتصرت في قراءتها على ستة أعوام ، وجعلت ما بقي في قراءة غيرها من العلوم » . وكان كثير المحبة للشرفاء أهل وازان نفعنا اللّه بهم ، شديد التعظيم لجنابهم . وأخذ عن القطب مولاي التهامي وصاحبه وتبرك به ، وكان الشرفاء المذكورون أيضا يحبونه ويواسونه . إلى أن توفي عشية يوم الخميس الثالث من المحرم عام ثمانية وأربعين ومائة وألف . كذا ذكر وفاته في " النشر " ، وقال في " الروضة المقصودة " : « الذي وجدته بخط الإمام - يعني : شيخه سيدي التاودي ابن سودة المري - أنه توفي عشية يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة متم سبعة وأربعين » . ه . ودفن من الغد - وهو : يوم الجمعة - في عرصة من هذه الحومة للشرفاء أهل وازان ، اتخذوها مقبرة لهم بجوار روضة الشيخ سيدي محمد بن مولاي التهامي . وكان في جنازته موقف عظيم من الخلائق ، لم يتخلف عنها أحد من عامة فاس وخاصتها . ورثاه تلميذه سيدي عبد المجيد المنالي بقصيدة . ترجمه في " النشر " ، و " التقاط الدرر " ، و " الروضة المقصودة " . . . وغيرها ، وأورده الشيخ التاودي في فهرسته من جملة أشياخه .